محمد بيومي مهران
164
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
ببني إسرائيل ، فما أن ولد موسى عليه السلام حتى أخفته أمه عن العيون حينا من الدهر ، قدرته التوراة وبعض المفسرين بثلاثة أشهر « 1 » ، ولكنها سرعان ما خشيت أن يفتضح أمرها ، بل وكادت تبدي به لولا أن ربط اللّه على قلبها ، ففزعت إلى اللّه مما تخشى على وليدها من بطش فرعون ، فأوحى اللّه إليها « 2 » أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ ، وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ « 3 » . وشاءت إرادة اللّه ، ولا راد لمشيئته ، أن تقول لهذا الملك الجبار المغرور بكثرة جنوده وسلطة بأسه واتساع ملكه ، قد حكم العظيم الذي لا يغلب ولا يمانع ولا يخالف أقداره ، أن هذا المولود الذي تحترز منه ، وقد قتلت بسببه من النفوس ما لا يعد ولا يحصى ، لا يكون مرباه إلا في دارك وعلى فراشك ، ولا يتغذى إلا بطعامك وشرابك في منزلك ، وأنت الذي تتبناه وتربيه ، ثم يكون هلاكك في دنياك وأخراك على يديه ، لتكذيبك ما جاء به من الحق المبين ، حتى تعلم أنت وسائر الخلق أن اللّه هو الفعال لما يريد « 4 » ، ومن ثم فإن إرادة اللّه إنما تلقى بالتابوت ومن فيه إلى جوار قصر
--> ( 1 ) خروج 2 / 2 ، تفسير النسفي 3 / 227 . ( 2 ) يقول ابن كثير : ليس هذا بوحي نبوة ، كما زعمه ابن حزم وغير واحد من المتكلمين ، بل الصحيح أنه وحي إلهام وإرشاد ، كما حكاه أبو الحسن الأشعري عن أهل السنة والجماعة ، هذا وقد ورد عن ابن عباس : أنه وحي إلهام ، وقال مقاتل : أخبرها جبريل بذلك ، قال القرطبي : فعلى قول مقاتل هو وحي إعلام ، لا إلهام ، وأجمع الكل على أنها لم تكن بنية وإنما إرسال الملك إليها على نحو تكليم الملك للأقرع والأبرص والأعمى ، كما في الحديث المشهور ، وكذلك تكليم الملائكة للناس من غير نبوة ، وقد سلمت على « عمران بن حصين » ولم يكن نبيا ( تفسير البيضاوي 2 / 88 ، تفسير القرطبي 13 / 249 - 250 ، صفوة التفاسير 2 / 425 ، البداية والنهاية 1 / 239 . ( 3 ) سورة القصص : آية 7 ، وأنظر : مختصر تفسير ابن كثير 3 / 6 . ( 4 ) ابن كثير : البداية والنهاية 1 / 238 .